ابن الجوزي
230
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( أفتمارونه ) وقرأ حمزة ، والكسائي ، والمفضل ، وخلف ، ويعقوب : " أفتمرونه " . قال ابن قتيبة : معنى " أفتمارونه " : أفتجادلونه ، من المراء ، ومعنى " أفتمرونه " : أفتجحدونه . قوله تعالى : ( ولقد رآه نزلة أخرى ) قال الزجاج : أي رآه مرة أخرى . قال ابن عباس : رأى محمد ربه ، وبيان هذا أنه تردد لأجل الصلوات مرارا ، فرأى ربه في بعض تلك المرات مرة أخرى . قال كعب : إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى ، فرآه محمد مرتين ، وكلمه موسى مرتين . وقد روي عن ابن مسعود أن هذه الرؤية لجبريل أيضا رآه على صورته التي خلق عليها . فأما سدرة المنتهى . فالسدرة : شجرة النبق ، وقد صح في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " نبقها مثل قلال هجر ، وورقها مثل آذان الفيلة " . وفي مكانها قولان : أحدهما : أنها فوق السماء السابعة ، وهذا مذكور في " الصحيحين " من حديث مالك بن صعصعة . قال مقاتل : وهي عن يمين العرش . والثاني : أنها في السماء السادسة ، أخرجه مسلم في أفراده عن ابن مسعود وبه قال الضحاك . قال المفسرون : وإنما سميت سدرة المنتهى ، لأنه إليها منتهى ما يصعد به من الأرض ، فيقبض منها ، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها ، وإليها ينتهي علم جميع الملائكة . قوله تعالى : ( عندها ) وقرأ معاذ القارئ وابن يعمر : وأبو نهيك : " عنده " بهاء مرفوعة على ضمير مذكر ( جنة المأوى ) قال ابن عباس : هي جنة يأوي إليها جبريل والملائكة . وقال الحسن : هي التي يصير إليها أهل الجنة . وقال مقاتل : هي جنة إليها تأوي أرواح الشهداء . وقرأ سعيد بن المسيب ، والشعبي ، وأبو المتوكل ، وأبو الجوزاء ، وأبو العالية : " جنة المأوى " بهاء صحيحة مرفوعة . قال ثعلب : يريدون أجنه ، وهي شاذة . وقيل : معنى " عندها " أدركه المبيت يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله تعالى : ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ) روى مسلم في أفراده من حديث ابن مسعود قال : غشيها فراش من ذهب . وفي حديث مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لما غشيها من أمر الله ما غشيها ، تغيرت ، فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها " وقال الحسن . ومقاتل : تغشاها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة . وقال الضحاك : [ غشيها ] نور رب العالمين . قوله تعالى : ( ما زاغ البصر ) أي : ما عدل بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينا ولا شمالا ( وما طغى ) أي : ما زاد ولا جاوز ما رأى : وهذا وصف أدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام . ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) فيه قولان : أحدهما : لقد رأى من آيات ربه العظام .